الآلوسي

64

تفسير الآلوسي

وفي البرهان حكى البغوي عن الواقدي أن جيمع ما في القرآن من لعل فإنها للتعليل إلا قوله تعالى : * ( لعلكم تخلدون ) * ( الشعراء : 129 ) فإنها للتشبيه . وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك نحوه ، ثم إن طلب الرجعة ليس من خواص الكفار . فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مانع الزكاة وتارك الحج المستطيع يسألان الرجعة عند الموت . وأخرج الديلمي عن جابر بن عبد الله قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه فعند ذلك يقول : * ( رب ارجعوني * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ) * " وهذا الخبر يؤيد أن الراد مما تركت المال ونحوه * ( كَلاَّ ) * ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها . * ( إنَّهَا ) * أي قوله * ( رب ارجعوني ) * الخ * ( كَلمَةٌ هُوَ قَائلُهَا ) * لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة وتسلط الندم عليه فتقديم المسند إليه للتقوى أو هو قائلها وحده فالتقديم للاختصاص ، ومعنى ذلك أنه لا يجاب إليها ولا تسمع منه بتنزيل الإجابة والاعتداد منزلة قولها حتى كأن المعتد بها شريك لقائلها . ومثل هذا متداول متداول فيقول من كلمة صاحبه بما لا جدوى تحته : اشتغل أنت وحدك بهذه الكلمة فتكلم واستمع يعني أنها مما لا تسمع منك ولا تستحق الجواب . والكلمة هنا بمعنى الكلام كما في قولهم : كلمة الشهادة وهي في هذا المعنى مجاز عند النحاة . وأما عند اللغويين فقيل حقيقة ، وقيل مجاز مشهور . والظاهر أن * ( كلا ) * وما بعدها من كلامه تعالى ، وأبعد جداً من زعم أن * ( كلا ) * من قول من عاين الموت وأنه يقول ذلك لنفسه على سبيل التحسر والندم * ( وَمَن وَرَائهم ) * أي أمامهم وقد مر تحقيقه ، والضمير لأحدهم والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم كما أن الأفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ * ( بَرْزَخٌ ) * حاجز بينهم وبين الرجعة * ( إلَى يَوْم يُبْعَثُونَ ) * من قبورهم وهو يوم القيامة ، وهذا تعليق لرجعتهم إلى الدنيا بالمحال كتعليق دخولهم الجنة بقولهم سبحانه : * ( حتى يلج الجمل في سم الخياط ) * ( الأعراف : 40 ) وعن ابن زيد أن المراد من ورائهم حاجز بين الموت والبعث في القيامة من القبور باق إلى يوم يبعثون ، وقيل : حاجز بينهم وبين الجزاء التام باق إلى يوم القيامة فإذا جاء ذلك اليوم جوزوا على أتم وجه . * ( فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلاَ أَنسَاببَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ) * . * ( فَإذَا نُفخَ في الْصُّور ) * لقيام الساعة وهي النفخة الثانية التي يقع عندها البعث والنشور ، وقيل : المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها على أن الصور جمع صورة على نحو بسر وبسرة لا القرن ، وأيد بقراءة ابن عباس . والحسن . وابن عياض * ( في الصور ) * بضم الصاد وفتح الواو ، وقراءة ابن رزين * ( في الصور ) * بكسر الصاد وفتح الواو فإن المذكور في هاتين القراءتين جمع صورة لا بمعنى القرن قطعاً والأصل توافق معاني القراءات ، ولا تنافي بين النفخ في الصور بمعنى القرن الذي جاء في " الخبر " ودلت عليه آيات أخر وبين النفخ في الصور جمع صورة فقد جاء أن هذا النفخ عند ذاك * ( فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئذ ) * أي يوم إذا نفخ في الصور كما هي بينهم اليوم ، والمراد أنها لا تنفعهم شيئاف فهي منزلة منزلة العدم لعظم الهول واشتغال كل بنفسه بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه . وقد أخرج ابن المبارك في الزهد . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وأبو نعيم في " الحلية " . وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله تعالى الأولى والآخرية